مركز الخاتم عدلان للإستنارة
لتنمية وتأصيل ونشر ثقافة السلام والديمقراطية

في الجزء الاول: دكتور الباقر العفيف يروي تجربته مع السرطان: قصة اختفاء قسري

0 90

إلى إخوتي وأخواتي،
أسرتي الممتدة في فرعيها الشارباب والقريشاب،
أصدقائي وصديقاتي الممتدين في جميع القارات والمنتمين إلى كافة الانتماءات،
زملائي وزميلاتي في العمل العام عموما، وفي المجتمع المدني على وجه الخصوص،
جميع معارفي من الجنسين،
وإلى كل من يحمل في قلبه خاطرة طيبة عني.

أحييكم فردا فردا وأعزّكم جميعا.

غبتُ عن الفضاء العام منذ يونيو المنصرم.
تواريتُ عن الأنظار، وخَفَتَ صوتي.
لكنه لم يكن غيابا اختياريا، وإنما كان اختفاء قسريا.
لم يُغَيِّبَني عنكم جهاز الأمن، وإن غَيَّبَني عن تراب وطن أحبه، وشعب طيب الأعراق يسكن سويداء قلبي.

الذي غَيَّبَني عنكم “الشديد القوي”، كما يٌعَبِّر أهلنا.

هو المرض، ذلك السهم الطائش، الذي يخبط خبط عشواء، لا يميز الطيب من الخبيث، ولا النافع من الضار، ولا الظالم من المظلوم، ولا الغني من الفقير، ولا الكبير من الصغير، ولا رجل من امرأة.

وأي الأمراض؟
إنه السرطان وقَّاكم الله منه وأبعده عنكم وعن وجه البسيطة كلها. ذلك الاسم المرعب، الذي يعتبر من أوسع الأبواب المُفْضِية إلى الدار الآخرة، والذي يتحاشى ذكره أهلنا الطيبين.

فبعد رحلة طويلة من محاولات البحث عن أجوبة لبعض الأعراض التي كنت أشعر بها، بدأتها في كمبالا وواصلتها في لندن وأكملتها في أمريكا. وبعد سلسلة من الفحوصات المكثفة خاصة في شهري يونيو ويوليو هذا العام تأكد لي أنه سرطان الاثني عشر Duodenal Cancer.

بدأت أشعر بألآم خفيفة في البطن، منذ أغسطس ٢٠١٧، من نوع تلكم الألآم التي تٌغري بالتجاهل. وهي آلامٌ، فوق كونها خفيفة، عابرة غير مقيمة، تأتيك من غور عميق مثل نداء بعيد. وبالرغم عن طبيعتها تلك، إلا أنني لم أتجاهلها، بل شرعتُ على الفور في زيارة الأطباء، بحثا عن أجوبة.

فطبيعة الألم جديدة عليَّ كل الجدة. لا تشبه أي من أعراض أمراض البطن التي عانيت منها في الماضي، أو تلك التي ظللت أعاني منها حتى تلكم اللحظة. كانت الأعراض عبارة عن طعنة خفيفة عابرة ولكنها مثابرة، بمعنى أنها تأتي كل يوم. وفيما بعد أصبحت مصحوبة بآلام خفيفة في أعلى الظهر.

عندما لم أجد إجابة في كمبالا، سافرتُ لمقابلة الأطباء في لندن في أكتوبر ٢٠١٧. ولكن قبل أن أكتشف مرضي، اكتشفت الانهيار الذي أصاب الخدمات الصحية الوطنية في بريطانيا The National Health Services (NHS).

ذلك النظام العظيم الذي أنشأه حزب العمل البريطاني Labour Party في العام ١٩٤٨، على أسس المدرسة الفاابية في الاشتراكية Fabian School of Democratic Socialism ، والذي يضمن توفير الخدمات الصحية مجانا للجميع. وهي جزء من دولة الرفاه الاجتماعي الطموح التي أسسها الحزب ابتداء من ذلك العام، والتي توفر بالإضافة على الخدمات الصحية المجانية، التعليم العام المجاني، والسكن المدعوم، والحد الأدنى من الدخل الذي يحفظ الكرامة البشرية للعاطلين عن العمل وأصحاب الاحتياجات الخاصة وطالبي اللجوء.

هذا النظام، أي نظام دولة الرفاه الاجتماعي، يرفضه حزب المحافظين الذي ظل على الدوام ينظر إليه كالشوكة في خاصرته، وشرع في تفكيكه عن طريق القوانين كلما فاز في الانتخابات وسيطر على الحكومة منفردا. وقد تسارعت خطاهم في تفكيكه منذ عهد تاتشر في نهاية السبعينات، تلك المرأة الحديدية التي كانت تكره بنات جنسها، والتي خلت تشكيلة وزاتها الأولى ١٩٧٩ من جنس امرأة، فكان مجلس وزرائها رجاليا بحتا. وقد اشتهرت إلى جانب ذلك بتصريحها الذي أثار عليها الرأي العام حيث قالت: “لا يوجد شيء اسمه المجتمع. وإنما هناك أفراد من رجال ونساء وهناك أُسَرً”.

“And, you know, there’s no such thing as society. There are individual men and women and there are families”.

هؤلاء المحافظين، وخصوصا الدُّغمائيين المتشدِّدين بينهم، مثل السيدة تاتشر، أكثر الأحزاب شبها بالأخوان المسلمين، فالقاسم المشترك بينهم هو انعدام الفكر الاجتماعي، وضعف الإحساس بالفئات الضعيفة في المجتمع.

وقد أثمرت جهودهم الهدامة ثمرتها المرة المتمثلة في تقليص الميزانيات للمستشفيات والمراكز الصحية فأصبح الناس ينتظرون في الصفوف الأشهر الطوال قبل أن يحظوا بمقابلة الطبيب المتخصص. وربما ساءت أحوال بعض المرضى، وربما مات بعضهم، بينما هم ينتظرون دورهم. كما تقلص الوقت الذي يُتِحْهُ لك الطبيب العمومي the general practitioner (GP) أثناء المقابلة. وأصبح من العسير أن يحولك للطبيب الأخصائي، ذلك لأن عينه دائما على الميزانية وكيف يستطيع أن “يُحَوِّقْها” لنهاية العام، مما ينعكس سلباً على الاهتمام بالمرضى.

وأنا شخصيا أعتبرُ أن الفشل في اكتشاف الورم مبكرا إنما كان نتيجة مباشرة لهذا التجريف المستمر لهذا الصرح العظيم. ويكفي القول بأنه قد مرّت تسعة أشهر بين مقابلتي الأولى للطبيب في شهر أكتوبر ٢٠١٧ وبين اكتشاف الورم في منتصف يوليو ٢٠١٨ الماضي، أي إبان العهد الذهبي للخدمات الصحية الوطنية NHS ،كان يمكن أن تكتمل الفحوصات في أسبوع واحد أو أسبوعين.

في فبراير من هذا العام خضعتُ لعملية منظار وصور الموجات الصوتية. اظهر المنظار أنني مصاب بالتهاب بكتيري في المعدة اسمه H-Pylori ولسوء الحظ أن أعراضه شديدة الشبه بأعراض سرطان البنكرياس والاثني عشر. وهي عبارة عن آلام في البطن تجئ في شكل طعنات stabbing وآلام في أعلى الظهر محولة referred من داخل المعدة. وهذا يعني أن آلام الظهر ليست آلام بالأصالة، أي أن مصدرها ليس هو الظهر ذاته، وإنما هي آلام بالحوالة، أي أرسلت إليه من منطقة ملتهبة داخل المعدة يضعف أو ينعدم فيها العصب الحسي. أما صورة الالترا ساوند فلم تظهر شيئا.

استخدمتُ المضادات الحيوية لأسبوعين وقضت على الالتهاب البكتيري كما أثبتت الفحوصات اللاحقة، بيد أن الألآم لم تنته. عاودتُ الطبيب الأخصائي بلندن في أبريل فأمر بصورة الموجات فوق الصوتية (ألترا ساوند) مرة ثانية. أعتقد أنه استبعد السرطان في المرة الأولى عندما رأى بكتيريا جرثومة المعدة ولم ير شيئا مريبا في صورة الالترا ساوند. وهنا يكمن الفرق بين المدرسة الأمريكية في التشخيص والمدرسة البريطانية.

هنا في أمريكا يضعون جميع الاحتمالات تحت الفحص حتى لو كانت بنسب صغيرة، ثم يبدأون في فحصها وإزالتها من القائمة إلى أن يعثروا على المرض. أما في بريطانيا فتجربتي تشير إلى غير ذلك. لأنهم عندما عثروا على بكتريا المعدة استبعدوا أي احتمال آخر، وكان هذا خطأ كبير.

انتظرتُ دوري حوالي شهرين لأخذ الصورة، أي في منتصف يونيو. هذه الصورة أظهَرَتْ ورما كبيرا يجلس على رأس البنكرياس. وبالرغم عن ذلك طلب الطبيب الاخصائي رؤيتي في الرابع من يوليو لكيما يحولني لطبيب الأورام. وهذا يعني أن أنتظر حوالي العشرين يوما لمقابلة الأخصائي الذي سيحولني لطبيب الأورام لأقابله على أقل تقدير بعد أسبوعين آخرين. والأطباء يعلمون ماذا يعني انتظار شهر وزيادة، إذا صح أنه ورم خبيث في البنكرياس. فمعلوم أن هذا أحد أسوأ أنواع السرطان، ومن اكثرها شراسة في مهاجمة وغزو الاعضاء الأخرى خاصة الكبد والأوعية الدموية. وهو ذات السرطان الذي أدى لرحيل أخي وصديقي الخاتم عدلان.

كانت عندي رحلة عمل للولايات المتحدة مبرمجة مسبقا، بعد أسبوع واحد فقط من ذلك التاريخ، أي في الثاني والعشرين من يونيو. ومع وصولي مطار واشنطن دي سي اشار علي أخي وصهري أمير، زوج شقيقتي عفاف، أن نذهب من المطار مباشرة لقسم الطواري في مستشفى بي هيلث Bay Health بمدينة ميلفورد Milford بولاية ديلاوير Delaware حيث تقيم الأسرة.

هناك أُجْرِيَتْ لي صور الأشعة المقطعية أو الـ CT Scan وفحص الدم. أظهرت الصورة ورما في رأس البنكرياس، أي تطابقت مع نتائج صورة الأشعة فوق المقطعية التي أجريتها في لندن. بعدها أٌخِذَتْ عينة من الورم للفحص المعملي (biopsy) لمعرفة ما إذا كان الورم حميدا أم خبيثا. وكانت النتيجة أنه ورم خبيث.

بعد ذلك قابلت طبيبة الأورام التي زَفَّتْ لي أسوأ خبر سمعته في حياتي. قالت لي: “إنه سرطان البنكرياس، وهو في المرحلة الثالثة أو الرابعة، مما يعني أن أيامك في الدنيا صارت قليلة، بين ستة أشهر في حدها الأدنى وعام واحد في حدها الأعلى”.

قلت لها: “هل أنت متأكدة مما تقولين؟” فأجابت بالإيجاب.

قلت لها: “سألتمس وجهة نظر أخرى”، فقالت لي: “نعم من الضروري أن تلتمس وجهة نظر أخرى”

مرَّ عَلَيَّ اسبوع كامل قبل موعدي مع مستشفى جونز هوبكنز Johns Hopkins الشهير، الذي سعيتُ له لالتماس وجهة النظر الأخرى. خلال هذا الأسبوع الطويل، مررت، بما يسمونه life-changing experience، أي تجربة عميقة من نوع التجارب التي تغير حياة البشر. سأعود بالتفصيل لهذه التجربة الغنية التي أحب أن أشرككم فيها بكل شفافية، عسى أن ينتفع بها من ينتفع مِن بَيْن من يَتَيَسَّرُ له الاطلاع عليها.

المهم ذهبت في الموعد المضروب مع المستشفى حيث أجريتُ صورة بالأشعة المقطعية وتحليل الدم ثم قابلنا فريقا طبيا مكونا من ثلاثة أطباء: إخصائي الأورام oncologist ، والجرَّاح surgeon ، واخصائي الأشعة Radiology oncologist.

واول شيء قالوه لي: “نحن لا نعتقد أن ورمك في البنكرياس، It’s not Pancreatic Tumor بل هو في الاثني عشر Duodenal Cancer، بيد أن الورم شق طريقه بين الأعضاء المجاورة ليجلس على رأس البنكرياس. وقد جاء الخلط نسبة لتجاور الاثني عشر والبنكرياس.

ثم أردفوا: “وهذا خبر جيد بالنسبة لك، لأنه أقل خطرا من سرطان البنكرياس.

قلت لهم: “هل هذ الرأي بالإجماع، أم أن لبعضكم رأي آخر”.

أجابوا أنهم مجمعين على هذا الرأي.

سألتهم بأي نسبة هم متأكدون من هذا الرأي، أجابوا أنهم متأكدون بنسبة ٩٠٪.

سألتهم: “كيف أصبتم حيث أخطأ زملاؤكم في مستشفى بي هيلث؟”

أجابوا بالقول: “لأن المكنات التي نستخدمها للأشعة المقطعية هي الأحدث في أمريكا state of the art لذلك فصورها أوضح. كذلك أخذنا في الاعتبار الأعراض التي تنطبق على المصابين بسرطان البنكرياس في الدرجة الثالثة والرابعة وهي لا تنطبق عليك”.

سألتهم عن المرحلة التي عليها سرطان الاثني عشر الذي شخصوه للتو، فأجابوا أنها المرحلة الثالثة.

أروني الصور وشرحوا لي شرحا مفصلا سأعود إليه فيما بعد،

وقال لي الجراح: “سنوصي لك بثمان جرعات من الكيموثيرابي (الأقوى بين ثلاثة أنواع)، كل ما نريده هو أن نوقف نمو الورم”.

ثم أردف مداعباً: “إذن مسؤوليتك أنت هي إيقاف نمو الورم، أما أنا فسأتكفل بالباقي”

قلت له – بيني وبين نفسي -:

“والله من ورائه، أي الورم، محيط”.

**********دكتور الباقر العفيف هو المدير التنفيذي لمركز الخاتم عدلان للاستنارة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.