مركز الخاتم عدلان للإستنارة
لتنمية وتأصيل ونشر ثقافة السلام والديمقراطية

مسؤولية الموظف العام في القانون السوداني

0 596

بقلم معاذ زكريا المحامي

صعق الناس بحادثة إطلاق النار على قتيل شارع النيل بأمدرمان الشاب/ سامر عبدالرحمن ، وذلك للفجاجة والقسوة التي تم بها ارتكاب الجريمة.

الواقعة تجعلنا نتساءل حول مسؤلية الشرطي أو النظامي في القانون ، وعن حدود سلطته وحصانته ، وعن مسؤليته حال تجاوز هذه السلطة.

بادئ ذي بدء يجب أن نثبت ان لا حصانة مطلقة لأحد كائنا من كان ، وان القانون فوق الجميع وليس العكس.

وفي غضبة الرسول الكريم (ص) على الصحابي اسامة بن زيد خير دليل على ذلك ، عندما إنتهره قائلا: ( أتشفع في حد من حدود الله؟ ، والله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطع محمد يدها ) لم تشفع قرابة السيدة فاطمة الزهراء للرسول (ص) من ان تجعلها فوق القانون ، فالذي يسري عليها يسري على غيرها ، فالناس سواسية كأسنان المشط أو كما قال الرسول (ص).

فالمولى عز وجل عندما فرض علينا القصاص لم يستثنى منه أحدا ، اذ قال: ( يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ).

ذات المنحى نحاه القضاء السوداني ، ففي سابقة حكومة السودان ضد خضر إلياس عباس ، ناقشت هذه السابقة ضوابط إستخدام القوة عند تنفيذ أوامر القبض ، حيث قررت أنه في حالة العمل القانوني الذي يكون إستعمال لحق مقرر بمقتضى القانون أو أداء لواجب مفروض قانونا يعتبر ثبوت حسن النية من جانب المتهم عنصرا أساسيا لإنتفاء القصد الجنائي ، إلى ان يثبت أن تصرفه تم بالحيطة والحذر اللازميين وفقا لظروف الدعوى وملابساتها.

وتتلخص الوقائع في ان المتهم وهو رجل بوليس يتبع لشرطة جبل أولياء كلف بالقبض على المجني عليه وإحضاره لنقطة البوليس ، وبالفعل ذهب العسكري لإحضار المجني عليه الذي إنصاع في البدء لأوامر الشرطي ، إلا انه امتنع عن الذهاب معه بعد ذلك خشية ان تضيع عليه أجرة اليومية فما كان من العسكري إلا ان أخرج مسدسه وطلب من الجميع الإبتعاد وأطلق طلقة من مسدسه أصابت المجني عليه في مؤخرة رأسه مما أدى الى وفاته.

المحكمة قررت إدانة الشرطي بالقتل العمد ، وحكمت عليه بالإعدام شنقا.

فان كان ثمة حصانة يتمتع بها موظفو الدولة فهي حصانة اجرائية وليست حصانة موضوعية تحول دون المساءلة القانونية.

وبالرجوع للواقعة التي نحن بصددها ، وبالإطلاع على نص المادة (١٣٠) من القانون الجنائي لسنة ١٩٩١م ، والتي تقرأ: ( يعد القتل عمدا اذا قصده الجاني أو قصد الفعل وكان الموت نتيجة راجحة لفعله ).

فالجناة قصدوا الفعل وهو القتل ، يستشف ذلك من الأداة المستخدمة في الجريمة وهو المسدس ، كما ان الطلقات تم تصويبها نحو مكان حساس في جسم المجني عليه ، كما ان الجناة قاموا بتسديد عدد من الطلقات نحو القتيل ، مما يعني ان قصد الجناة اتجه نحو إزهاق روح المجني عليه ، كما ان الموت كان النتيجة الراجحة لفعلهم هذا.

لا يشفع للجناة ان جريمة القتل وقعت اثناء تأديتهم لعمل رسمي هم مكلفون قانونا بأداءه ، صحيح ان القانون يعطي الحق للشرطي أو النظامي في استعمال القوة لتنفيذ أمر القبض ، إلا ان استعمال هذه القوة ليس على إطلاقه ، كما لا يبيح تسبيب الموت أو الأذى الجسيم ، كذلك فان استعمال القوة يجب ان يتم مع مراعاة الحيطة والحذر اللازميين.

فقد اشترط قانون الشرطة لسنة ٢٠٠٨م توافر حسن النية لاستعمال القوة ، اذ تنص المادة (٤٥) منه على: ( لا يعتبر جريمة اي فعل يصدر من اي شرطي بحسن نية اثناء أو بسبب أداء اعمال وظيفته أو القيام باي واجب مفروض عليه أو عن فعل صادر منه على ان يكون ذلك الفعل في حدود الاعمال أو الواجبات المفروضة عليه أو وفق السلطة المخولة له بموجب قانون الإجراءات الجنائية أو اي قانون اخر ولا يتعدى القدر المعقول من القوة لتنفيذ واجباته أو لتنفيذ القانون دون اي دافع اخر للقيام بذلك الفعل ).

كذلك فان الدفوع الواردة في المادة (١٣١) من القانون الجنائي والتي تحول القتل من عمد الى شبه عمد ، اشترطت أيضا توافر حسن النية ، حيث نصت الفقرة (أ) منها على: ( يعد القتل شبه عمد اذا تجاوز الموظف العام أو الشخص المكلف بخدمة عامة بحسن نية السلطة المخولة له قانونا وهو يعتقد بان فعله الذي سبب الموت ضروري لتأدية واجبه ).

فهل كان الجناة أصحاب نية حسنة عندما قتلوا المجني عليه؟ شخصيا لا أعتقد ذلك ، فالقتل تم عن قصد وتعمد ، وتم باستخدام وسيلة غالبا ما تسبب الموت وهي المسدس ، كما ان هذا الفعل لا يعتبر ضروريا لتأدية الواجب ، فَلَو كان المجني عليه مجرما خطيرا ذو دراية باستخدام السلاح الناري ، وبدأ في إطلاق النار على دورية الشرطة ، فهنا يمكن ان نجد مبررا لاستخدام السلاح ، لكن ان يشهر هذا السلاح في وجه مواطن أعزل بحجة انه ارتكب جريمة حال ثبوتها فانه يمكن ان يعاقب عليها بالغرامة ، فهو ما لا أَجِد له مبررا أبدا ، فهنالك اكثر من طريقة لتوقيف المجني عليه بدل ان يتم إزهاق روحه فِي رابعة النهار وعلى مسمع ومرأى من الناس بهذه الطريقة البربرية البشعة ، خصوصا وان الجريمة التي يشتبه في ارتكابه لها ليست من الجرائم الخطيرة المعاقب عليها بالإعدام أو السجن لأكثر من (١٠) سنوات.

المقال نشر في جريدة التغيير الالكترونية
https://bit.ly/2m0DZTa

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.