مركز الخاتم عدلان للإستنارة
لتنمية وتأصيل ونشر ثقافة السلام والديمقراطية

صفحات من تاريخ التيار القومى وحزب البعث فى السودان

0 800

أمسية الاربعاء 26 أكتوبر 2011 , أستضاف منشط نادى الكتاب بالمركز فى نشاطه الشهرى الراتب , الأستاذ محمد على جادين لتقديم عرض لكتابه الجديد صفحات من تاريخ التيار القومى وحزب البعث فى السودان
قدم أستاذ جادين كلمة مقتضبة فى البداية , وبعدها قام ضيوف الأمسية بتقديم رؤيتهم حول الكتاب , وساهم بالنقاش الرئيسى
بروفيسور محمد زين العابدين .. جامعة الزعيم الازهرى
المهندس المنذر ابوالمعالى .. الحزب الوحدوى الديمقراطى الناصرى
د. هشام عمر النور .. جامعة النيلين
د. بكرى خليل .. جامعة النيلين
أ/ محمد على جادين
فى البداية الشكر لمركز الخالتم عدلان لاستضافتهم هذه الجلسة , واهتمامهم بعرض الكتاب ومناقشته
احد الاخوان قال لى انه لسوء الحظ ان هذا الكتاب قد ظهر مع توقيت ثورات الربيع العربى والتى تكاد تكون فى معظمها ضد الفكر القومى او التيار القومى بشكل عام بالقصد او بالنتيجة , لكن انا اعتقد ان هذا الكلام غير صحيح بالمرة لان هذه تجربة ويجب ان يقوم الناس بعرضها ومناقشتها حتى تتم الاستفادة من دروسها , وما يحدث فى المنطقة العربية هو تطور طبيعى للفترات السابقة وليس مُنقطاً عنها باى معنى من المعانى , واعتقد ان التيار القومى موجود داخل هذه الثورات فى مصر وتونس وليبيا واليمن وحتى فى سوريا , وعلى اى حال فمن الممكن ان تسقط التجربة السلطوية للفكر , لكن الفكر نفسه من الصعب ان نقول ان قد سقط , فهناك افكار تتقادم وافكار حية تستمر وافكار جديدة تنمو مع الزمن , والتيار القومى فى السودان وفى المنطقة تواجهه مشكلة كيفية التطور والتلائم مع التغيرات الجارية فى العالم وفى المنطقة وفى السودان نفسه
هناك ضرورة لكتابة تاريخ الأحزاب السياسية فى السودان لانها تقوم بتوضيح كيفية نشأة وتطور هذه الاحزاب والى اين وصلت , ومناقشة التاريخ هو واجب للحزب حتى يقوم الناس بمعرفته بشكل وافى , والحزب فى نهاية المطاف هو منظمة مجتمع مدنى تهدف لخدمة المجتمع وبالتألى فان المجتمع يجب ان يُشارك فى هذا الحزب بشكل او أخر , والا تحول الحزب الى ما يُشبه المنظمة السرية الغامضة التى تدور فيها اشياء لا نعرفها , ويجب ان تكون الكتابة التاريخية كتابة موضوعية , واعتقد ان اكبر تزوير حدث فى كتابة التاريخ الحزبى كان فى كتابة تاريخ الحزب الشيوعى السوفيتى الذى قام به لينين وتجاهل فيه حقائق كثيرة للغاية , وهى الحقائق التى تكشفت بعد سقوط ستالين
فى السودان هناك كتابات كثيرة عن تاريخ الاحزاب السياسية لكنها قليلة وغير شاملة , البداية كانت بكتاب احمد خير (كفاح جيل) وكان عبارة عن تأريخ لمؤتمر الخريجين , وكتاب السيد عبدالرحمن المهدى (الجهاد فى سبيل الاستقلال) , وفى الفترات الاخيرة كانت هناك كتابات حسن مكي عن الاخوان المسلمين ومحمد سعيد القدال عن الحزب الشيوعي
تاريخ حركة التيار القومى وحزب البعث فى السودان لم يجد الاهتمام الكافى مثل الاحزاب الأخرى , وهذا الكتاب فى اعتقادى هو اول محاولة لكتابة أطار شامل لحزب البعث , وانا لا ادعى اننى قد قمت بالاحاطة بكل شيء لكن استطيع الادعاء بان هذا الكتاب هو الاطار العام لحزب البعث والتيار القومى فى السودان , ويحتاج بالتأكيد لمساهمات تاتى من الأخرين
هناك دراسات قليلة فى الفترات السابقة لكنها استهدفت فى المقام الاول التعبئة السياسية والايدلوجية ولم تكن شاملة , ومثال لهذه الكتابات القليلة مُذكرات شوقى ملاسى اوراق سودانية

التيار القومى هو المظلة الكبيرة وحزب البعث هو جزء من هذا التيار , وقصدت الفصل بينهما لان حزب البعث قد شق مسار خاص به من خلال
تطور العمل , والناصريين شقوا طريقاً مختلفاً , ومصطلح التيار القومى المقصود به التنظيمات التى ترتبط بالتيار القومى الاشتراكي , وهو تيار واسع ومؤثر فى المنطقة العربية ويحتوى على حزب البعث وثورة 23 يوليو والناصرية وحركات وتنظيمات أخرى كثيرة لكنها اقل اهمية , وهذا التيار يرتكز على وحدة الوطن العربى والامة العربية , ويعمل على نهضة الامة العربية على اساس عصرى واشتراكى وديمقراطى , لكن فى ذات الوقت قد نجد داخل التيار القومى تيارات أخرى غير ديمقراطية وغير اشتراكية
التيار القومى فى السودان الان يتمثل فى حزب البعث باجنحته المختلفة , والناصريين باجنحتهم المختلفة , وهناك تيار قومى عام وسط كل الاحزاب الشمالية وبالذات فى الحزب الاتحادى الديمقراطى والحزب الشيوعي وربما حتى فى الحركة الاسلامية , وهو تيار عام يهتم بالقومية العربية وحركة التحرر العربى

الكتاب به 6 فصول , الفصل الاول والثانى يتحدثان عن النشأة والتأسيس , والفصول الـ 4 الأخرى تتحدث عن التطورات داخل التنظيمات القومية بشكل عام وحزب البعث بشكل خاص , ومواقفها من القضايا المطروحة فى الساحة السودانية فى فترة الحكم المايوي وقبلها بقليل
الكتاب به توثيق بوثائق داخلية ووثائق عامة , وايضاً به رأى , وانا اقوم فى الكتاب بالتمييز بين ماهو رأى وتحليل وماهو معلومة ووثيقة
والكتاب يقدم العرض التاريخى حتى أنتفاضة مارس / أبريل , ويقدم كل المواقف المطروحة فى الساحة فى ذلك الوقت وبالذات ما يتعلق بالنضال ضد الديكتاتورية المايوية وبالدور الكبير الذى لعبه البعثيين وتحديداًً بعد المصالحة فى 1977 حتى 1985
الفصل السادس يتحدث عن الأنتفاضة , ورغم ان التركيز ينصب على حزب البعث والتيار القومى لكن ايضاً التحليل والنقاش يشمل مواقف الاحزاب الأخرى فى هذا الفصل وفى بقية الفصول , حيث ان اى حزب لا ينفصل عن حركة المجتمع العامة وهى حركة علاقات تفاعل ايجابية او سلبية

توقفت بالكتاب فى 1985 لاننى اعتقد انها تُمثل فترة , فترة نشأة وتأسيس وصعود فى ظروف عمل سرى وديكتاتورية عسكرية , بعد 1985
هناك ظروف جديدة حيث فرض حزب البعث والتيار القومى نفسيهما على الساحة السياسية كرقم , وانفتح باب ان تكون هناك تجربة ديمقراطية جديدة , وبطبيعة الحال فهناك فرق بين العمل فى ظروف السرية والعمل فى ظروف الانفتاح السياسى , وفترة مابعد 85 تحتاج لدراسة جديدة مستقلة

اترك المجال للأساتذة الكرام ليقولوا رأيهم فى الكتاب وشكراً جزيلاً

بروفيسور محمد زين العابدين
اشكر الاخ محمد على جادين للجهد الكبير الذى بذله ومازال يبذله , متعه الله بالعافية وطويل العمر
لم اجد الفرصة الكافية للاطلاع على الكتاب بشكل عميق , لانه يحتاج للقراءة واعادة القراءة اكثر من مرة , بشكل عام نجد فى الكتاب الجانب التاريخى والجانب التحليلى وكذلك نجد الرأى الشخصى للمؤلف

صحيح ان حزب البعث العربى الاشتراكى لم يكن بمعزل عن القوى السياسية الأخرى ولهذا فانه فى مساره دخل فى خلافات وتحالفات مع هذه القوى , عند طرح فكرة ان التيار القومى بشكل عام موجود داخل كل الاحزاب الوطنية المختلفة فان هناك سؤال يتبادر الى الذهن , ماهى الضرورة والداعى لقيام التيار القومى نفسه او حزب البعث كاجسام مستقلة عن هذه الاحزاب ؟

اتذكر عند حضور اعضاء حزب البعث للتحالف مع الاتحادى الديمقراطى بقيادة الشريف حسين الهندى , وعند قرأته للميثاق قال لهم ((هذا ما عندنا , وهذا جزء من كل عندنا)) .. وكل من يطلع على ميثاق الحزب الوطنى الاتحادى لعام 1952 سيجد الكليات العامة التى طرحها التيار القومى الاشتراكى وحزب البعث فى ثنايا هذا الميثاق , وهى جزء من كل فى الميثاق المذكور حيث ان به مواضيع لم يتطرق لها التيار القومى وهى الخاصة بخصوصية السودان كقطر

حديث التيار القومى ينصب حول الامة العربية وبعثها , وهذا الهدف والشعار هما نتيجة للصراع الطويل ضد الاستعمار
الكتاب لم يقدم لنا التوضيح الكافى فى عدم حصول حزب البعث والتيار القومى العربى على تجاوب من بقية مُكونات الشعب السودانى , وما اذا كان طرح هذا التيار وهذا الحزب كافى لتلبية طموحات بقية مُكونات الشعب السودانى حتى تقوم بالالتفاف حوله ام لا ؟
مقولة أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة هى نتاج فخر بتاريخ كان العرب فيه يُساهمون بشكل فعال ومؤثر فى الحضارة الانسانية , لكننى اعتقد ان هذه الاضافة وهذه الحضارة كان العمود الفقرى فيها هو العنصر غير العربى , وكانت الرسالة الاسلامية فى تلك هى المحرك الرئيس اكثر من القومية العربية

الكتاب هو توثيق , وهذه نقطة ايجابية للغاية , ويجب على الجميع ان يقوموا بالتوثيق فنحن شعب تميز للاسف بالثقافة الشفهية
لاحظت ان الكتاب به الكثير جداً من جلد الذات للتيار القومى وحزب البعث بسبب الانقسامات والانشقاقات التى حدثت فيهما , ورغم ذلك لم يتم توضيح أسباب هذه الانقسامات بشكل واضح , هل هى فكرية ام سياسية ام ثقافية ؟
وأعتقد انها لم تحدث بسبب تكتل اولاد الابيض او تكتل اولاد النيل كما ذكر الكتاب , لا , هذا افراغ للمحتوى , هى اعمق من ذلك بكثير حيث ان اى نشقاق هو نتيجة للخلاف الفكرى او الطرح السياسى
كان يجب ان يتضمن الكتاب البرنامج الاساسى والميثاق للتيار القومى العربى ولكننا نجد فقط اشارات له دون ايراده كاملاً
تحدث الكتاب عن تطور فى حزب البعث العربى الاشتراكى , لكن الملاحظ ان الديمقراطية الشعبية او الديمقراطية المركزية هى المسيطرة والتيار القومى لا يُريد الخروج للديمقراطية الليبرالية او التعددية السياسية , وبعد كل هذه التجارب كان يجب ان يكون هناك موقف واضح من الحزب تجاه هذه التعددي

هناك تناقض , حزب البعث يقف ضد الانقلابات العسكرية ويدعم العمل الجماهيرى فى ادبياته , فى حين ان كل مُكونات التيار القومى العربى وصلت للحكم عن طريق الانقلابات العسكرية , وحتى انقلاب رمضان الذى حدث فى السودان كان بعثياً , لهذا اقول ان العقلية الانقلابية لهذا التيار مخفية بشعارات المناداة بالديمقراطية لكنها متغلغلة ويجب الانتباه لهذه النقطة
الكتاب توقف عند العام 1985 , ولكننى ارغب فى طرح سؤال يتجاوز تلك الفترة الزمنية , ثم ماذا بعد الان ايها التيار القومى العربى او حزب البعث العربى الاشتراكى ؟
فى الختام اتمنى وحدة كل اجنحة حزب البعث العربى الاشتراكى حتى يستطيع الحزب ان يلعب نفس الدور الفعال الذى كان يلعبه ايام الديكتاتورية المايوية وفى الديمقراطية الثالثة , هذه الوحدة من المهم ان تحدث , ونحن الاتحاديين مازلنا نعتقد ان هناك رباط بيننا وبين حزب البعث قام به الزعيم الشريف حسين الهندى , ونحن مُلزمين بهذا الرباط , واخلاقياً المطلوب منا السعى لتوحيد حزب البعث العربى الاشتراكى , وانا هنا لا اتحدث عن اجاويد او مصالحة نفتقدها حتى نحن فى حزبنا الاتحادى , لكن حديثى هو عن جلوس جميع الاطراف وطرح ما عندهم حتى يتم الاسهام فى قضايا السودان المعقدة , خاصةً والسودان يتجه نحو كارثة شاملة
الاحزاب وسيلة وليست غاية , ويجب ان تكون الوسيلة قوية وناضجة واتمنى عندما يتوحد حزب البعث ان نذهب نحن وهم الى كل المؤمنين بالدولة المدنية الديمقراطية القائمة على الاشتراكية الديمقراطية لخلق كيان واحد مؤثر فى الساحة

مهندس / المنذر ابوالمعالي
اعتقد ان هذا الكتاب هو مُبادرة لكل القوى القومية فى السودان من اجل كتابة تاريخهم
تاريخ القوميين العرب فى السودان هو تاريخ غنى وفيه الكثير من التجارب التى ستكون اشراقات لمستقبل جيد
كما قال أستاذ جادين فاننا لا نستطيع الفصل بين تجربتى الناصريين والبعثيين فى السودان فهما دوماً كانا فى حالة اكمال لبعضهما , لو تحدثنا عن تاريخ حزب البعث فى السودان سنجد ارتباطاته بالناصريين , ومن هذا المنطلق فسوف اتحدث عن تاريخ التيار القومى وبالتحديد التيار الناصرى حتى تكتمل بعض النواقص ان وُجدت , او اقوم على الاقل باكمال بعض الأشياء الهامة من وجهة نظرى
قبل البداية علينا الاتفاق حول بعض القضايا , القضية الاولى اننا نجد فى تاريخ العمل السياسى اختلاف فى مواقف الشخصيات , كمثال عندما نتحدث عن جعفر محمد نميرى 1969 فاننا لا نتحدث عن جعفر محمد نميرى 1985 , وبالتألى فان الحديث عن المواقف يجب ان يتضمن الفترة الزمنية التى حدثت فيها هذه المواقف وليس باسقاطها على معايير زمننا الحالى

القضية الثانية , بالنسبة لنا كناصريين فان مفهوم العمل السياسى يختلف قليلاً بالنسبة لنا عن الأخرين , فى واحدة من الدورات التدريبية ايام الانتخابات الاخيرة قال احد المحاضرين ان اى حزب سياسى هدفه النهائى هو السلطة وكان ردنا انه بالنسبة لنا فان المفهوم الليبرالى للديمقراطية مُختلف , حيث نجد فى الولايات المتحدة ان الاحزاب تأخذ اموال من شركات لخوض الإنتخابات حتى تفوز وتُحقق مصالح مالية لهذه الشركات وبهذا فان هدفها هو السلطة لخدمة هذه الشركات , لكن بالنسبة لنا فان مفهوم العمل السياسى هو مدى التأثير فى المجتمع , مدى التأثير فى سير حركة المجتمع للامام , وعندما نتحدث عن تاريخ حزب البعث بهذا المفهوم سنجد تأثيره الكبير فى الحياة السياسية فى السودان رغم عدم وجوده فى السلطة , وتأثير القوميين العرب كبير فى السودان ايضاً بهذا المفهوم , الحديث عن التظيم والفكر هو حديث عن ترابط , والحديث عن الحزب هو حديث عن الاثر السياسى فى الساحة

نحن الناصريين لم نُحاول ان نقوم بسودانة فكرنا حيث نعتقد ان جذور هذا الفكر قد بدأت من السودان , الفكر الناصرى هو فكر الحركة الوطنية السودانية , والبدايات كانت من تأسيس ندوة ابوروف حيث نجد مجموعات من القوميين داخل ندوة ابوروف , وكانوا يتحدثون عن وحدة وادى النيل , ومن داخلها تبلور الفكر الاشتراكى , هذه هى البذرة الاولى للفكر الناصرى وتطوره من فكر اتحادى الى فكر قومى وهكذا حتى تبلورت نظرية الثورة العربية , من هذا المنطلق فانه فكر تبلور فى السودان ونشأ من قضايا قومية
1956 كان هناك تيار عريض من القوميين العرب فى السودان , واول البدايات كانت فى 1958 بتنظيم القوى التقدمية العربية , وهى قوى كانت بين الناصريين التيار القومى وحزب البعث , بعد هذا اصبح هناك تيار قومى عربى واضح داخل الاتحادى الديمقراطى من امثال ابوبكر الصديق واحمد البشير وعلى ابوسن , بل انه حتى قد تم تكليف لصياغة دستور الحزب الوطنى الاتحادى من الازهرى لمجموعة من هذا التيار القومى وهم نفس الثلاثة السابقين بالاضافة للطاهر عوض الله وقد اعترض ابراهيم جبريل والمرضى على ذلك وخرجوا من الاجتماع باعتبار ان هؤلاء صغار السن وقوميين عرب فكيف يكتبون دستور الحزب الوطنى الاتحادى

1954 جاءت دعوة من القاهرة لمجموعة من شباب هذا التيار القومى ذهبت والتقت مع زكريا محيي الدين , وكانت اول بدايات المقابلة مع النظام الناصرى , ثم مرة أخرى ذهبت مجموعة ثانية وحضرت فعاليات المؤتمر الاسلامى فى الإسكندرية , فى 1957 مجموعة من الشباب فيهم شيوعيين وبعثيين ذهبوا للقاهرة والتقوا مع مجموعة من الشباب العربى وتبلورت الفكرة
خلاصة الموضوع ان الطليعة العربية بدأت فى جامعة القاهرة فرع الخرطوم واصبحت قومية وقيادتها كانت من حزب البعث ولكن كان بها مجموعة كبيرة من الناصريين , فى 1961 كان هناك اختراق اساسى , فى مؤتمر حزب البعث الاردنى فى لبنان عندما طرح عبد الله الريماوى داخل المؤتمر فكرة حل الحزب والدخول داخل التجربة الناصرية , حدث الخلاف داخل مجموعة الطليعة العربية بين الناصريين والبعثيين وتبلور هذا الخلاف اكثر عندما حدث الانفصال بين مصر وسوريا وخرجت المظاهرات فى الخرطوم ضد الانفصال باسم الطليعة العربية التقدمية , وهذه نقطة هامة للغاية

فى نهاية 1961 تم تأسيس التنظيم الطليعى وهو التنظيم السرى للناصريين , فى بدايات 1963 وقبل حكم مايو تم تكوين الاتحاد الاشتراكى السودانى برئاسة بابكر عوض الله وكانت فكرته تقوم على انه اطار لكل القوى القومية الموجودة فى كافة الاحزاب السياسية وكان فيه صالح محمود وعبد الله عبيد والرشيد الطاهر ومن الشيوعيين كان فيه عوض عبد الرازق وعبد القادر حسن ومعتصم حسن وعبد الكريم المهدى وكان فيه بابكر كرار وعبد الله زكريا

اشتراك الناصريين فى 1964 كان موجوداً فى بابكر عوض الله وإضراب القضاة وخروج المظاهرات , وفى مؤتمر الجريف 1963 حدث
الانقسام والانفصال بين الناصريين والبعثيين كما ذكر الكتاب , وحدث خروج الناصريين واطلقوا على انفسهم اسم القوى الوحدوية الاشتراكية
داخل الاتحاد الاشتراكى الذى ذكرته كان هناك فصيل مُسلح فيه احمد ومحمد عبد الحليم وجعفر نميرى ومجموعة من الاشخاص ومنه تكون تنظيم الضباط الاحرار وهم شرارة مايو 1969 , بعد 1969 تم تكوين كتائب مايو , وبعد انقلاب هاشم العطا , رفضت كتائب مايو هذا الانقلاب وتحركت دفاعاً عن ثورة مايو فى ذلك الوقت وكان هذا عمل ناصرى وخرجت مظاهرات للشارع تؤيد مايو , فى 1972 تم تكوين التنظيم الناصرى واستمر حتى عام 1980 عندما تم تكوين الحزب العربى الاشتراكى الناصرى وانقسمت منه مجموعة منها نحن فى 1999 تحت اسم الحزب الوحدوى الديمقراطى الناصرى
قصدت ان اذكر تاريخ العمل الناصرى لانه جزء من تاريخ العمل القومى فى السودان وهو تاريخ مرتبط بتاريخ البعث

د. هشام عمر النور
نحن فى شهر عظيم , ونتمنى ان يعود الهتاف المحبب لنا هتاف عائد عائد يا أكتوبر فى شوارع الخرطوم من جديد
قد يبدو لاول وهلة اننى غريب عن هذا المناخ فى الندوة ( يضحك) ولكننى لست كذلك , وخلال حديثى سوف يتضح ذلك لكم
فى الكتاب انا لن اهتم بالوقائع , أُريد الوصول الى استنتاجات ومقدمات نظرية ليسار جديد , اعتقد ان حركة اليسار السودانى كلها فى ازمة حقيقية , ومثل هذا الكتاب هام للغاية للوصول لجذور ازمة اليسار فى السودان وبالذات لو تم استكماله بروايات أخرى حول هذا التاريخ لانه يقودنا للوصول لمنهج جديد وطرق تفكير جديدة وحركة يسار جديدة , وحزب البعث هو واحد من تيارات اليسار فى السودان , لكن الازمة شملت كل التيارات اليسارية وتكاد تكون مُطابقة حذو النعل بالنعل وهموم اليسار تشغل كل من كان ينتمى لهذا التيار العريض فى اى تيار من تياراته
الأستاذ محمد على جادين قامة ثقافية رفيعة فى السودان ولديه مُساهمات اعتقد انها حيوية للغاية , وهو من اكثر الناس حرصاً على التوثيق والكتابة فى القضايا الفكرية , وهذه هى المقدمة فعلاً من اجل ولادة يسار جديد , ولو لم نُنجز نحن سيأتى جيل جديد يجد كتابات وتوثيق مثل هذا ويصل لما فشلنا نحن فى الوصول اليه
بعد كل هذا التاريخ وهذا الالق اليسارى العظيم من شعراء وفنانين وادباء , وبعد كل هذا الجهد والشهداء والاختفاء والتعذيب والاعتقال والمعاناة القاسية للغاية ومحاولة الامساك بعوامل التطور فى السودان فى ظروف بالغة القسوة , ينتهى بنا المآل الى ما نحن فيه ! , وهذا موضوع ليس خاضعاً للصدفة , هناك قانونية ما وصلت بحركة اليسار فى السودان الى هذا الوضع
الان ليست هناك حركة يسار مُلهمة فى كل التيارات الموجودة على الساحة , وهذا كلام اقوله بكل وضوح , ليس هناك تيار قادر على التأثير فى الحياة السياسية او الثقافية فى السودان واعادة صياغتها واجبار الأخرين على تبنى مقولاتها حتى على سبيل التبنى اللفظى , وهو ما كان يحدث فى الخمسينات والستينات عندما كان اليسار لديه القدرة فى ان يجعل كل القوى السياسية التقليدية وغيرها على ترديد الشعارات اليسارية حتى ولوعلى سبيل الترديد فقط , حركة اليسار ليس لديها ما تُقدمه الان

الكتاب من خلال السرد يقودنا للوصول للقواعد والقوانين التى تخص الحركة السياسية فى السودان , وهناك ملاحظة فى الكتاب تتحدث حول انه لم يوجود تنظيم سياسى فى السودان لم يتأثر بما يحدث فى مصر بطريقة او بأخرى , وان كل التيارات استطاعت ان تسودن او توطن الافكار التى تأثرت بها من مصر , من الاتحادى وحزب الشعب الديمقراطى والوطنى الاتحادى والاخوان المسلمين والقوميين الخ .. صحيح هذه قانونية , لكن هذه القانونية يجب توسيعها , وهى المؤشر لكيفية استعادة يسار جديد , واى عصر عنده منطق تفكير مُختلف , والذى حدث هو التأثير بالمناخ المتاح فى ذلك الوقت واقرب مناخ بالنسبة لنا كان مصر , الان ما عادت مصر هى المناخ الاقرب بالنسبة لنا ليس بسبب الاختلاف الاجتماعى والسياسى والثقافى فقط , ولكن السبب الاساسى هو تطور الحركة السياسية هنا عندنا ودخول عوامل كثيرة , حيث كانت الحركة السياسية فى الماضى فى اليسار واليمين هى حركة وسط السودان , والان مركز التغيير فى السودان تحول لقوى جديدة وبهذا لا يمكن لنا ان نتأثر بمصر والنموذج المصرى اصبح بعيد جداً بالنسبة لنا , طيب ماهو القريب منا الان ؟ , العولمة قامت بتقريب العالم واصبح لدينا امكانية التأثر حتى على المستوى النظرى بتيارات يُمكن ان تكون مُلهمة لنا للوصول لقواعد منهج جديد ويُعيد صياغة الحياة السياسية وبالذات لحركة اليسار فى السودان
هناك جهد معرفى ضخم للغاية فى العالم وبالذات فى الحركة النقدية وهناك اسماء ورموز معروفة فى العالم كله , الحركة النقدية فى المعرفة الانسانية اصبحت حركة واسعة للغاية

وثيقة المؤتمر الاول لحركة الاشتراكيين العرب والتى حددت بوضوح قواعد منهجها الخاص بها فى المنهج العلمى والثورية والشعبية , ولننظر للحركة النقدية الان فى العالم او التفكير النقدى كيف تعامل مع هذه المناهج الثلاث
المنهج العلمى فى الوثيقة المقصود به الارتباط بالواقع والامساك بالعوامل المؤثرة فى تطوره والاستفادة من كل تجاربه والتركيز على اهمية الترابط الجدلى بين العامل القومى والعامل الطبقى والدور الايجابى للدين والاهتمام بالعوامل المؤثرة فى الواقع وعدم حصرها فى عامل واحد فقط او عوامل محدودة .. هذه الاشارة الاخيرة هى بسبب النزاع بين الماركسية والقومية , طيب , عندما يقول حزب مُعين ان طريقة تفكيرى قائمة على منهج علمى وهى مختلفة عن الأخرين , اول أشارة هى ان الصح معى انا وهذا فيه اقصاء لكل الاطراف الأخرى , وهى ليست خاصية خاصة بالبعثيين فقط وانما عند كل تيارات اليسار

السؤال الثانى هل المنهج العلمى كافى لتحديد الخطأ من الصواب على هذا النحو ؟ , نتكلم عن النهج العلمى والمنهج اصبح يخضع للتداول وقائم على البراجماتية الفلسفية / وليس كما نفهمها / , بمعنى التداول وليس المنفعة , ومفهوم المنهج العلمى تغير تماماً منذ كتاب توماس كون (بنية الثورات العلمية) فى 1962 , وان اى قانون علمى اول ما يظهر يُصحبه مباشرةً واقائع لا يستطيع اثباتها , ويدخل فى توصيف المنهج العلمى ماهو صدفوى وماهو عرضى , وفكرة الحقيقة العلمية ليست هى المطابقة مع الواقع باى حال من الاحوال
نُريد يسار جديد ديمقراطى منذ مرحلة منهجه العلمى , وليس بمعنى ان يكون ديمقراطياً على مستوى الممارسة السياسية ويتبنى منهج علمى يقوم فيه بادعاء ان الحقيقة الوحيدة معه
عن فكرة الثورية , هى تقتضى الانفصال عن الواقع الفاسد بين قوسين , وهذه هى بذرة الانقلاب , لان من ينفصل عن الواقع لا يستطيع تغيير هذا الواقع الا بواسطة الانقلاب , بينما الانخراط فى الواقع هو الذى يقودك للتغيير الحقيقى , وهى نفس فكرة ان النضال البرلمانى ليس هو الشكل الوحيد للنضال الثورى وهذا ما يتسق ويتجه فى المسار الصحيح للانفصال عن الواقع الفاسد لاصحاب هذه المقولة
اتحدث فى هذه النقطة عن الشعبية , واقول ان كل التنظير الذى تم فى السلطة السياسية عند ميشيل فوكو وغيره , تقول ان الشعبية هى مقدمة للغرق فى كولونيالية موهُمة وهى المقدمة للسلطة الشمولية , واى سلطة شمولية فى العالم تتحدث عن انها تقوم بالتعبير عن الشعب وتفعل بعد ذلك ما تشاء باسم الشعب

فى الحديث عن المنهج العلمى , فى الوثيقة هناك اشارة صحيحة بان عوامل التغيير متعددة ولا تعتمد على عامل واحد ويقصدون بالعامل الواحد التناقض الاقتصادى , لكن المشكلة ان هذا الكلام وعندما نربطه مع مفهوم الثورية سنجده مجرد غطاء لفظى لتمييز موقف القوميين من الماركسية لكنه لا يعنى ما يقوله

د. بكرى خليل
لا اقول جديد عندما اقول ان التاريخ لسان رواته , وبالتألى فكلنا من الممكن ان يروى التاريخ بلسانه , لكن فى كل الاحوال فان التاريخ هو حاضرُ قائم , كلُ يقرأ التاريخ بعين مُعاصرة , لذلك فان اهمية هذا الجُهد انه يأتى فى وقت تكون فيه مثل هذه الوثائق مُهمة , ومن ناحية أخرى اذا كان هذا هو تاريخ البعث فنحن نقرأ لاحد المساهمين الاساسين فيه , انه قلم مُمارس قبل ان يكون شاهداً على الرواية او راوياً من غير شهادة
اولاً هل هذا الموضوع عن تيار ام عن حركة ؟ , الامر الثانى ان السؤال الجوهرى فى الحياة هو من اين أتى ؟ , حتى الطفل الصغير يسأل عن المصدر الذى جاء منه الى الدني
ا
هل الحركة القومية جاءت من فراغ ؟ , ام ان هناك مُعطيات هى التى انتهت الى أنتظام حركة قومية فى السودان ؟ , هل هى مُجرد حركة دماغية ؟ , هل هى تأثر بحركة الفكر وليس حركة الواقع ؟ . هذه اسئلة مهمة لان صديقى وزميلى هشام عمر النور قد جرنا الى هذه الأشكالية , ماهو نصيب حركة الفكر فى صياغة الافكار الحية ؟ , وماهو نصيب الواقع فى صياغة هذه الحركات الحية ؟ , هناك فارق كبير بين ان نكون فى مضيفة الفكر العالمى , وان نكون فى الميادين التى تؤدى بالفعل لخلق الحركات التى تصنع التاريخ .
عندما عاد نابليون بونابرت لفرنسا قال فى اول خطاب له ((الان انتهينا من الرواية الى التاريخ)) , وفى نفس الفترة تقريباً ارسل ابراهيم باشا خطاباً الى والده برفقة كتاب عن التاريخ , فرد علية والده محمد على بخطاب يقول له ((انما انت يا ابراهيم تقرأ التاريخ , بينما انا اصنع التاريخ)) هذه هى اهمية خلق الحدث التاريخى دائماً , وحزب البعث العربى الاشتراكى حاول ان يُساهم فى خلق التجدد العربى باعتبار ان هذه الامة امة حية , وانه لا يُمكن ان نتلمس هذا التغيير الا عن طريق الاجتهاد صائباً او خاطئاً , وهذا هو الموقف الذى يجب ان نهتم به اكثر بصرف النظر عن مسألة الحقيقة فى الحياة والتى قد نختلف عليها , وبالتألى فان مناهج المُمارسة نختلف عليها كاحزاب وتيارات وافكار .
نعود الى موضوعنا , اعتقد ان التيار القومى فى السودان حصيلة عمق كبير , كان هذا العمق مدوناً فى الكتب والادب او كان فى الحياة الثقافية والشخصية , لذلك فان موضوع مثل موضوع الوحدة العربية تمت الكتابة عنه منذ الثلاثينات من شخصيات مثل يحيى الفضلى ومحمد نور الدين , مقدمة كتاب (كفاح جيل) لاحمد خير , مقدمة عام 1948 كانت عبارة عن وثيقة قومية عربية , واساهم بعض السودانيين فى ثورة 24 انتهى بهم الى قتال بجانب المناضل عمر المختار , هل كل ذلك يُحدث فى فراغ ؟ , لا بد من وجود شيء اعمق من الموقف الذاتى او القراءات السطحية او العوامل السياسية التى تدفع بالناس يميناً او يساراً .
اى توثيق للتاريخ لابد ان يغفل شيء ما اما بسبب نقص المعلومة او للهوى والتحيز , ونجد فى هذا الكتاب نقصاً , واستحضر بعض الوثائق الموجودة فيه , حيث اننى قد سمعت من شوقى ملاسى بشكل شخصى وشفاهى بانه قد تأثر بصلاح الدين البيطار عندما قرأ مقال له فى مجلة (الاديب) البيروتية , هذه الحقيقة لم يُذكرها شوقى ملاسى فى كتابه ولم اجدها فى كتاب جادين , هناك حقائق كثيرة فى التاريخ تضيع وتدفن مع اصحابها , لذلك فاننا كلنا لدينا دعوة ان نستعيد التاريخ بالتفاكر لكى نضع بعض الحقائق فى مواضعها ولكى لا تضيع .
عن التيار القومى وعدم وحدتها فى السودان , اقول ان السودان كجزء من الوطن العربى فيه من الخصائص ما يجعل الوعى القومى نفسه محكوم عليه بالانتظار على الاقل الى ان يتوحد خطابه , وهذه الضرورة لا نجدها فى الاقطار العربية الأخرى , وبهذا فان الأسباب الذاتية وغير الموضوعية هى التى أثرت اكثر على تباين الحركة القومية منذ النشاة والى دخولها فى صراعات سلبية .
عبدالناصر لم يكن مع تنظيم الميدان السياسى حتى فى مصر , بسبب ان التجربة التى جاء منها عبدالناصر كان فيها من السلبيات والاخفاقات ما جعل العسكريين بذهنيتهم لا يرغبون فى هذا النوع من التجربة السياسية الحزبية , فى المقابل فان البعثيون الاوائل كان عندهم الاهتمام بدور التنظيم فى عملية التغيير بحسب اجتهاداتهم , لهذا فان ارضية التباين فى الموقفين كانت قائمة لكنها قادت لشن حملات لم تكن موضوعية ولكنها تناحرية قاد الى الشقاق والابتعاد بين اطراف العمل القومى فى السودان على محدوديتها وضيق مواعينها .
لا يجوز الان ان يكون البعثيين فى موقف شقاق , ومن باب اولى كل القوميين , فى هذه الظروف التى يمر بها السودان والمنطقة العربية .
كانت هناك مرحلة يتم فيها الشعور بالقوة الذاتية حتى فى حالة الضعف , الشعور بتطهرية مُعينة تؤدى الى الانعزال من ناحية , وبالتألى كانوا يُفكرون احياناً تفكيراً قافزاً على مرحلته , وهذه من اجواء البدايات وليس لان البعثيين فى حد ذاتهم غير عمليين او يفكرون تفكيراً ساغاً , كان هذا النوع من التفكير مع هوى تلك المرحلة هو الذى يحكم لحد كبير تقويمات تلك المرحلة بما فى ذلك حتى الصراع مع تلك الانظمة , ولا شيء يجعلنا بنظرة الان ان نُدين فى الحزب اتفاقية اديس ابابا , كانت اتفاقية فيها على الاقل جوانب ايجابية , لكن منظار ذلك الوقت هو الذى لون لنا البيئة كلها حاكماً ومحكوماً وقاد بنا الى مواقف تحتاج احياناً الى مراجعة .
فى العمل السياسى كانت هناك اخفاقات واخطاء , لكن , وهو ليس دفاعاً عن مرحلة كنت انا فيها , اعتقد انها اهم مرحلة لعب فيها البعثيون دوراً فى قلب ميزان العمل السياسى خاصةً بعد انتشارهم النسبى , كانوا اقرب للقوى التى تحالفنا معها واقصد هنا حزب الحركة الوطنية حسب التسمية التى عرف بها بين قوسين , وهو الوسط الذهبى فى السودان والذى اعتقد انه ما زال مُحافظاً على موقعه موقع الوسط الاتحادى والحزب الاتحادى , لكن بالمقابل كنا ننظر للامور نظرة الابيض والاسود ولم ننظر للمنطقة الرمادية بصورة دقيقة لذلك وقفنا من حزب الامة موقفاً قاطعاً ونهائياً وهو موقف لم يكن صائباً وينبغى الاعتراف بذلك , موقفنا من التحالف مع الاتحاديين جاءت بعد ان قفز الصادق المهدى وجماعة الاخوان المسلمين فى قارب المعارضة .
هناك كثير من التصورات والمواقف التى تُحيط بتجربة البعث البعض منها صحيح , والبعض منها اوحينا نحن البعثيين بها ومثال على ذلك انقلابية البعثيين وحبهم للمغامرة , انا لا انفى باننا فى البعث تربينا على شيء من حب المجازفة هذا صحيح , ولكن هذا لم يكن ينتهى على الاطلاق عند التفكير الوطنى , بحيث اننا لا نجعل المصير الوطنى فى موضع المجازفة , ودليلى على هذا قضية العمل العسكرى والانقلابات فى السودان , والبعث نفسه كان ضحية الانقلابات العسكرية , وما حدث من انقسام البعث فى سوريا وانشطار البعثيين كان بسبب رفض القيادة الحقيقية للبعث فى ذلك الوقت انقلاب 1963 وعزوف قيادته عن المشاركة , ثم كان بقاء الأستاذ ميشيل عفلق فى العراق 8 سنوات خارج العراق ولم يعود الى العراق بينما حزبه يحكم العراق ! .
أ/ محمد على جادين :-
كل الكلام كتبته فى الكتاب وليس هناك داعى للحديث بكلام جديد , مُلاحظات الأساتذة الكرام فيها مُلاحظات جيدة , الاخ منذر لديه تاريخ اعترف اننى لا اعرفه , او اعرفه بشكل ضبابى وهو لديه وثائق مُفيدة للتيار القومى ككل وتُفيد فى كتابة التاريخ , اهم مافى الامر ان يستزف هذا الكتاب الأخرين للكتابة حتى تتم الاضاءة فى جوانب مُختلفة .
دكتور هشام تحدث عن جوانب مهمة حول ازمة اليسار السودانى والعربى , وهذا اليسار يمر بازمة كبيرة وهى واضحة بالتراجع فى الشارع والإنتخابات الاخيرة فى تونس تفوز فيها جبهة النهضة الاسلامية ويعترف اليسار بالهزيمة , التشخيص لهذه الازمة يحتاج لعمل جاد , ازمة اليسار فى السودان ليست فكرية فقط وانما هناك عوامل سياسية واجتماعية قادت الى الازمة , حدث انهيار للطبقة الوسطى ونزوح الريف للمدينة وتريفت المدن , واصحاب المدن المتعلمين والمستنرين قاموا بالهجرة للخارج , وكثرة الصراعات القبلية والانتماء القبلى اصبح هو الاعلى من الانتماء الوطنى , واعتقد ان كل الاحزاب تعيش فى ازمة وليس اليسار فقط .
البيئة السودانية الراهنة الان لا تسمح بنمو الاحزاب والذى ينمو هى الحركات الجهوية والحركات الدينية السلفية .
ما طرحه البروف زين العابدين حول المرحوم الشريف حسين الهندى صحيح , وكان المرحوم يقول ان حزب البعث هو التطور الحديث للحزب الوطنى الاتحادى , والتحالف الذى ربط حزب البعث والاتحادى الديمقراطى بقيادة الشريف حسين الهندى عام 1979 كان اختراق كبير حيث كان التقسيم هو قوى تقدمية وقوى رجعية دون وجود اى علاقة بينهما , وكان موقف الشريف حسين الرافض للمصالحة بعد القراءة السليمة للواقع السياسى وكان الخيار هو البقاء فى المعارضة واسقاط النظام , ومن هذا الموقف كان اللقاء بين حزب البعث والشريف حسين الهندى , وكان هذا اختراق لانه اول لقاء بين حزب تاريخى وحزب يسارى .
حقبة المصالحة قادت حتى الى تغيير فى فكر البعث فنحن كنا نتحدث عن الديمقراطية الشعبية والديمقراطية الجديدة والجبهة الوطنية التقدمية , بعد المصالحة تحدثنا بلغة مُختلفة عن الجبهة الوطنية الواسعة واختفت كلمة التقدمية واصبحت لا تتكرر الا نادراً , اصبحنا نتحدث عن الديمقراطية والتعددية الفكرية والسياسية والثقافية بجدية اكبر , والكتاب به نقد لاهم وثيقة اصدرها البعثيين وهى الوثيقة التى تمت اجازتها فى 1975 وثيقة (البعث وقضايا النضال الوطنى) , حدث النقد للوثيقة بشكل قوى فى الكتاب وخاصةً فيما يتعلق بالديمقراطية .
النقطة التى تحدث عنها دكتور بكرى والخاصة بالموقف من اتفاقية اديس ابابا 1972 موجودة فى الكتاب , حيث ان الحزب اصدر بيان خارجى وداخلى ضد الاتفاقية وقال انها صنيعة استعمارية وحتى احزاب الجبهة الوطنية كانوا يقولون ان هناك جزء سرى فى الاتفاقية رغم انه قد اتضح عدم وجود ذلك فيما بعد , عام 1982 غير البعثيين من موقفهم من الاتفاقية وهذا على ما اعتقد دليل على المرونة والانفتاح الذهنى وتحدثوا عن هذه الاتفاقية بايجابية وتحدثوا عن الحكم الذاتى وقاموا باقامة علاقات مع الساسة من الجنوب , الناصريين كانوا ضد فكرة الحزب السياسى والحياة الحزبية بشكل مُطلق , لكن بعد ذلك قام مصطفى محمود وميرغنى طه بتكوين الحزب الناصرى وهو تطور من فكر قديم لفكر جديد , وهذا منطق الحياة منطق تطور الافكار والرؤية ووجهات النظر .

بعض المُداخلات
أ/ بهية خميس :-
القوميين العرب اقدم من الناصريين , حيث كان الأستاذ ميشيل عفلق يتحدث عن القومية منذ 1945 , بينما الناصرية ظهرت بعد وفاة جمال عبد الناصر .
كانت هناك مُشاركة فى ثورة اكتوبر من البعثيين امثال السفير عبدالله عبدالرحمن والأستاذ محمد على جادين والصادق شامى ومحمد اسحاق شداد .
كان هناك تمركز للبعثيين فى مدينة الابيض , ومن ادخل فكر الحزب كان هو المرحوم محمد ابراهيم محمد خير وهو من منطقة ابوجبيهة .
اتذكر تحالف البعث مع اليسار فى 1971 وحضور محمد سليمان الخليفة للتهنئة بنجاح انقلاب 71 وضرب السعوديين طائرته , وهناك حديث ان فاروق حمدالله كان من البعثيين .
د. ابوالحسن فرح :-
انا عضو هيئة القيادة بالحزب الاتحادى الديمقراطى , قومى اتحادى , وكنت واحد من المؤسسين للتنظيم الناصرى فى السودان .
الحركة القومية كانت حركة واحدة , فى 20 أغسطس 1968 وفى بيت الطاهر عوض الله فى مؤتمر الجريف الشهير تم الانقسام الشهير بين الناصريين والبعثيين وانقسمت الطليعة التقدمية الى اشتراكيين عرب والوحدويين الاشتراكيين , وكان هناك سبب داخلى وسبب خارجى لهذا الانقسام .
د. الطاهر عوض الله :-
اطلعت على الكتاب باهتمام شديد , فى بداية حياتى كنت تلميذاً فى مدرسة ابوروف , وهذه المدرسة هى ناتج للاتحاديين الاحرار بقيادة مجموعة مدنى أستاذنا الطيب محمد خير وأستاذنا عوض عمر , كانت هذه المدرسة تطرح قضايا غاية فى الشمول والعمق , وكان السودان جزء من كيان عليه ان يقوم بدور كبير فى تطوير وتقدم القارة باكملها , وحدة وادى النيل كانت جوهر القضية وكانت اطلالة حضارية .
استوعبنا الفكرة وشكلت شباب اتحادى , وكان لدينا رغبة تشكيل كيان جديد , واتضح لنا ان وحدة النيل اقل بكثير مما ينبغى ان يكون .
النظرة لدور عبدا لناصر كانت مُختلفة , كنا نعتقد انه الفرصة التاريخية المُتاحة للعرب لتخطى واقع التجزئة والتخلف والتبعية للاستعمار , وحزب البعث يعتقد ان العمل الشعبي المنظم هو الذى يُحقق هذا الهدف وليس زعامة عبدا لناصر , وكان لا بد من الانقسام وهو قد حدث تاريخياً فى 1961 حينما عقد حزب البعث مؤتمره الشهير فى بيروت وطلب من فرع الأردن حل نفسه ليكون قاعدة لعبدا لناصر , وتم رفض هذا الطلب وبدأ التصدع .
نحن اتجهنا نحو الرفض الكامل للحزبية وكان السبب هو التخلف الذى حدث لمصر فى اطار الحزبية .
أ/ سعيد ميرغني حمور :-
التحية للرفيق محمد على جادين , هذا الكتاب قد صدر قبل شهر تقريباً وهى ليست كافية حتى يطلع عليه الناس ويتم استيعابه بشكل عميق وتتم مناقشته بشكل جيد .
1955 دخلنا جامعة القاهرة الفرع وكان مُعظمنا فى الجبهة الديمقراطية , وكنا فى مقدمة الصفوف فى النضال ضد الاستعمار البريطانى , وذهبت بنا الجامعة الى رحلة لمصر لمدة 3 شهور , فى هذه الرحلة فى القاهرة نزلنا فى المدينة الجامعية وكان فيها جزائريين وعراقيين وكانوا بعثيين , قدموا لنا وثائق الحزب والبرنامج وذهبوا بنا لمقابلة ميشيل عفلق فى فندق سميراميس , ودخل معنا ميشيل فى مُناقشات وقدم لنا مُلخص عن حزب البعث , وكانت هذه بداية مسيرتى .
اعتقد ان عبد الناصر بعد اقترابه من ميشيل عفلق بدأ بالاهتمام بقضايا الامة العربية , وهو الذى كان يهتم فى 1952 بالنظام والاتحاد والعمل , وبعد تأثير عفلق قام بالتغيير الى الحرية والوحدة والاشتراكية .
وقد ذهب عفلق مع ناصر الى مؤتمر باندونج وهو الذى قام بالكتابة عن فلسفة الحياد الايجابى التى اعتنقها عبد الناصر .
أ/ تيسير النورانى :-
سعيدة للغاية بتجربة الكتاب , وقد قمت بقراءة الكتاب من منظورين , المنظور الاول انه تاريخ حزب البعث العربى الاشتراكى والتيار القومى فى السودان , والمنظور الثانى منظور مشاركة النساء فى العمل السياسى العام والاحزاب السياسية .
فى كل الكتاب نجد اسم امرأة واحدة وهى الأستاذة احلام عبد الرحمن بينما كان فى جيلها عدد من النساء من حقنا عليهن ان يتم ايراد أسمائهن مثل احسان عباس , واقبال بشرى مرشحة الحزب فى إنتخابات 1986 , ودكتورة مريم خليل .
كتابة تاريخ اى حزب يكون التحدى الاساسى فيها هى مشاركة النساء , واتمنى ان تُتاح فرصة ثانية لمناقشة هذا الكتاب الهام .
أ/ محمد على جادين :-
النقاش جيد , نشكر المتحدثين والمركز والحضور , وقضية النقاش سوف تستمر ولن تتوقف , اشكركم جداً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.